يعقد ملتقى الحوار الوطني الفلسطيني الثاني أعماله في إسطنبول يومي الجمعة والسبت (28-29 حزيران/ يونيو 2024) بحضور حشد وازن من الشخصيات الوطنية الفلسطينية؛ برعاية وتنظيم المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج.

من الواضح أن معركة طوفان الأقصى قد فرضت أجندتها على الساحة الفلسطينية، وألقى أداء المقاومة والحاضنة الشعبية، وكذلك العدوان الصهيوني وبشاعته ودمويته، بمسؤوليات واستحقاقات كبرى على كل المعنيين بالشأن الفلسطيني. ولم يعد الأمر مرتبطا بترف الكلام والاجتماع، وإنما بالارتقاء إلى مستوى العطاء والتضحية العظيم الذي يقدمه الشعب الفلسطيني ومقاومته خصوصا في قطاع غزة.

أصبح من المحتّم على كل قادر أن يستنفذ جهوده وطاقاته، وأن يتم تنظيم وتحشيد طاقات الشعب الفلسطيني (ومعهم الأمة وكل أحرار العالم) في مسيرة المقاومة والتحرير والعودة. ولم يعد ثمة وقت متاح لمزيد من الانتظار على عتبة مُعوقي ومعطلي إعادة ترتيب البيت الفلسطيني.. فالوقت ليس من ذهب، وإنما الوقت هو الحياة.. والوقت هذه الأيام من دم!! فالشعب يصنع التاريخ بالدم!!

وأصبح من الواجب تجاوز “الإرهاب الفكري” والفزاعات التي تستخدمها قيادة منظمة التحرير وقيادة السلطة في تعطيل مسارات إصلاح البيت الفلسطيني، وإعادة بناء المؤسسات الرسمية على أسس تمثيلية حقيقية شفافة، تعبّر عن المصالح العليا للشعب الفلسطيني وتحمي ثوابته.

أصبح من الفجاجة اتهام هذه القيادة للآخرين بتجاوز “الشرعية”، كلما قاموا بأي مبادرة جادة لإصلاح البيت الفلسطيني، بينما هي تختطف شرعية التمثيل، وتُعطّل الإرادة الحرة للشعب الفلسطيني، وتقف هي بنفسها ضدّ ميثاق منظمة التحرير، وتُطارد قوى المقاومة، التي تشير استطلاعات الرأي إلى تمثيلها للشريحة الأوسع للفلسطينيين في الداخل والخارج.

وأصبح من الفجاجة أن تقوم هذه القيادة باتهام الآخرين بإثارة “الانقسام” وهي نفسها أكبر سبب للانقسام، بتعطيلها للعمل المؤسسي الفلسطيني، ورفضها لاستيعاب القوى والكفاءات الفلسطينية، وإغلاقها أبواب منظمة التحرير في وجوهها، ومراهنتها على التعاون مع الاحتلال، وعلى مسارات نبذها الشعب الفلسطيني.

وأصبح من الفجاجة كذلك، أن تتغنى هذه القيادة بـ”الماضي” لتبرّر به تنازلات الحاضر، وطعن ظهر المقاومة، وتعطيل المؤسسات، والتنسيق مع العدو.

* * *

أما وقد فتحت طوفان الأقصى الآفاق، أما وأننا نرى شعبنا ومقاومتنا يصنعان التاريخ، فيجب على الجادين من شعبنا الفلسطيني العمل على إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني بما يتناسب مع مشروع التحرير، واستنهاض طاقات الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، في إطار بنية مؤسسية فعالة، بأبعادها العربية والإسلامية والعالمية.

وعلى القوى والأطر الشعبية والشخصيات والكفاءات ألا تنتظر القيادة الرسمية الفلسطينية، ولا حتى الترتيبات الفصائلية، وإنما تبدأ من القواعد الشعبية والاتحادات النقابية والجاليات الفلسطينية، وتقوم بتقديم مثال حقيقي للجدية في العمل الوطني من خلال تفعيل الأطر الشعبية وبناها المؤسسية، ليقوم الفلسطيني أينما كان مكانه وأيا كان موقعه (مهندسا.. طبيبا.. عاملا.. فلاحا.. معلما.. اقتصاديا.. محاميا..) في الإسهام بالعمل المقاوم وفق استطاعته وإمكاناته.

ومن ناحية ثانية، فيجب العمل على تشكيل اصطفاف وطني أو جبهة وطنية واسعة تدعم المقاومة، وتضغط باتجاه التغيير وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني على أسس سليمة.

ويجب السعي من ناحية ثالثة، للتوافق على قيادة انتقالية فلسطينية، تتولى الترتيب لإعادة بناء البيت الفلسطيني بطريقة “ديمقراطية” سلسة وتوافقية وتتولى إعادة الروح للبنى المؤسسية للمنظمة، واستيعاب الطاقات والكفاءات من كافة الاتجاهات ومن الداخل والخارج.

كما ينبغي من ناحية رابعة التوافق على برنامج سياسي جديد يتجاوز مرحلة أوسلو، ويؤسس لعمل جاد واقعي في إدارة مشروع المقاومة ودحر الاحتلال.

ومن ناحية خامسة، ينبغي عدم الاستغراق في وهم إصلاح السلطة تحت الاحتلال الذي يتحكم بمدخلاتها ومخرجاتها، ويرتهنها لإرادته؛ وإنما يجب إعطاء الأولوية لصناعة قرار وطني فلسطيني مستقل، خارج عن هيمنة الاحتلال، ويمثل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج.

وبشكل عام، فلا مانع من التدرج المنهجي الجاد، غير أن أي إطار توافقي يجب أن يكون إطارا ديناميا فعالا، وليس إطارا تعطيليا، ويجب أن يتاح مجال واسع للشباب للاستفادة مما يحملون من إمكانات هائلة؛ كما يجب أن تُستوعب الكفاءات والمستقلون بأفضل الطرق.

* * *

وأخيرا، فقد وفر طوفان الأقصى فرصة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، ومن الجريمة بحق الشعب الفلسطيني وتضحياته ألا يتم استغلالها بالشكل الأمثل على طريق التحرير والعودة.


المصدر: “موقع عربي 21″، 2024/6/28